زكريا القزويني

220

آثار البلاد واخبار العباد

بالمسلمين أمهات أولادهم . فمنهن من منعت الرجل ولده واتّصلت بأهلها فيأتي الرجل إلى معسكر الروم ويودع ولده باكيا ، ولم تزل طرسوس في أيديهم إلى هذه الغاية . بها موضع زعموا أنّه من حمى الجنّ ، نزل به المأمون لمّا غزا الروم . وكان هناك عين ماؤها في غاية الصفاء ، وكان المأمون جالسا على طرفها فرأى في الماء سمكة مقدار ذراع فأمر بإخراجها ، فأخرجوها فإذا هي سمكة في غاية الحسن بيضاء مثل الفضّة ، فوثبت وعادت إلى الماء فوقعت رشاشات الماء على ثياب المأمون ، فغضب وأمر بإخراجها مرّة أخرى فأخرجوها والمأمون ينظر إليها ويقول : الساعة نشويك ! ثمّ أمر بشيّها فأتى المأمون على المكان قشعريرة ، فأتى صاحب طبخه بالسمكة مشوية وهو لم يقدر على تناول شيء منها ، واشتدّ الأمر به حتى مات . قال الشاعر : هل رأيت النّجوم أغنت عن الماء * مون في عزّ ملكه المأسوس غادروه بعرصتي طرسوس * مثل ما غادروا أباه بطوس العبّاسة بليدة بأرض مصر في غاية الحسن والطيب ، سمّيت بعبّاسة بنت أحمد بن طولون ، كان خمارويه زوّج ابنته من المعتضد باللّه ، وانّه خرج بها من مصر إلى العراق فعملت عباسة في هذا الموضع قصرا ، وبرزت إليه لوداع بنت أخيها قطر الندى ، ثمّ زيدت في عمارته حتى صارت بليدة طيّبة كثيرة المياه والأشجار من متنزّهات مصر . وبها مستنقع يأوي إليه من الطير ما لم ير في شيء من المواضع غيرها ، والصيد بها كثير جدّا . وكان الملك الكامل يكثر الخروج إليها للتنزّه والصيد .